محمد جمال الدين القاسمي
171
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وروى ابن جرير بسنده إلى عبد اللّه بن مسعود قال « 1 » : إن الرجل ليغدو بدينه ثم يرجع وما معه منه شيء . يلقى الرجل ليس يملك له نفعا ولا ضرّا فيقول له : واللّه ! إنك لذيت وذيت فلعله أن يرجع ولم يحل من حاجته بشيء ، وقد أسخط اللّه عليه ، ثم قرأ : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ . . . الآية وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا عطف على جملة قد حذفت ، تعويلا على دلالة الحال عليها وإيذانا بأنها غنية عن الذكر . أي يعاقبون بتلك الفعلة القبيحة ولا يظلمون في ذلك العقاب فتيلا ، أي أدنى ظلم وأصغره . والفتيل الخيط الذي في شق النواة أو ما يفتل بين الأصابع من الوسخ . يضرب به المثل في القلة والحقارة . وقيل : التقدير ، يثاب المزكون ولا ينقص من ثوابهم شيء أصلا . ولا يساعده مقام الوعيد . قاله أبو السعود . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 50 ] انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً ( 50 ) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء اللّه وأحباؤه ، وقولهم : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [ البقرة : 111 ] وقولهم : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ البقرة : 80 ] واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة . وقد حكم اللّه أن أعمال الآباء لا تجزي عن الأبناء شيئا ، في قوله : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ * [ البقرة : 134 ] . الآية . قال العلامة أبو السعود : ( كيف ) نصب إما على التشبيه بالظرف أو بالحال . والعامل ( يفترون ) وبه تتعلق ( على ) أي : في أي حال أو على أي حال يفترون عليه تعالى الكذب . والمراد بيان شناعة تلك الحال وكمال فظاعتها . والجملة في محل النصب بعد نزع الخافض و ( النظر ) متعلق بهما . وهو تعجيب إثر تعجيب . وتنبيه على أن ما ارتكبوه متضمن لأمرين عظيمين موجبين للتعجيب : ادعاؤهم الاتصاف بما هم متصفون بنقيضه . وافتراؤهم على اللّه سبحانه . فإن ادعاءهم الزكاء عنده تعالى متضمن لادعائهم قبول اللّه وارتضاءه إياهم . تعالى عن ذلك علوّا كبيرا . ولكون هذا أشنع من الأول جرما ، وأعظم قبحا لما فيه من نسبته سبحانه وتعالى إلى ما يستحيل عليه بالكلية من قبول الكفر وارتضائه لعباده ، ومغفرة كفر الكافر وسائر معاصيه - وجّه النظر إلى كيفيته تشديدا للتشنيع وتأكيدا للتعجيب . والتصريح
--> ( 1 ) الأثر رقم 9477 .